حد يقول لي يعني إيه إنتماء : الخلاصة – ١

كتبت منذ فترة عن حيرتي في تعريف الانتماء .. وقد كنت أتكلم من منطلق شخصي بحت .. يعني لم أكن أتساءل عن تعريف الإنتماء بطريقة فلسفية أو سفسطائية من أي نوع ، وانما كنت أطلق سؤالاً إلى فضاء النت الواسع لعلي أجد ضالتي المنشودة .. نفسي🙂

اعترف انني كنت كثيراً ما أفكر وكثيراً ما يصل تفكيري إلى “حيطة سد “..

اعترف إن تفكيري لم يكن يقوم على أي أسس علمية أو قراءات واسعة ..

اعترف إن بحثي عن معنى الإنتماء كان فقط نابع من إحساس دفين بعدم الأمان والخوف من المستقبل الذي كنت أراه .. ومازلت أراه في بعض الأحيان .. مشوش للغاية ..

اعترف إن تفكيري كثيراً ما كان يقودني إلى الدوران في حلقات مفرغة ..

اعترف اني اكتب هذه التدوينة حتى ابعث وأعبث بالكلمات قليلاً لعل هذا يوصلني إلى ما أريد .. الذي لا أعلمه حتى الأن ..

اعترف إن كلمة “الخلاصة ” إللي في العنوان ديه خطأ .. لأن مفيش خلاصة في هذا الموضوع ..

أهدي هذه التدوينة أولاً إلى : ميار نوارة .. واعتذر لها عن التأخير ..

كما أهدي هذه التدوينة لمجموعة اصدقائي الجدد الذين حضروا هذه المناقشة المثمرة في موضوع الانتماء والهوية الاسبوع قبل الماضي .. وأحب أن اشكرهم جميعاً فقد أفادوني كثيراً .. ودوماً ما استمتع بوقتي حق إستمتاع عندما نجتمع ونتناقش ..

و بعدين ؟ أبدأ ازاي ؟ طيب .. خليني أبدأ ببعض النقاط التي سمعتها في إجتماعي بالأصدقاء وتعليقي عليها .

أعجبتني مقولة هند جداً في تعريف الهوية (مع انها لم تحضر هذه المناقشة و لكنها ذكرت هذا الرأي في مناقشة سابقة ) .. فقد قالت أن الهوية هي الصفات التي يبحث عنها الانسان حتى يندرج تعريفه تحت مجموعة من الناس يشعر بالإنتماء اليهم ، سواء كان هذا إنتماء ديني ، إجتماعي ، وطني ، عرقي، إلخ إلخ .. وهي في نفس الوقت الصفات التي تميز هذا الانسان عن غيره حتى يسهل تفريقه عن “القطيع “.. أعجبني هذا التعريف لكلمة “هوية” لأنه يحمل في طياته الدليل على أن السبب الأساسي الذي يبحث الانسان عن الانتماء لتحقيقه هو أنانية هذا المخلوق وبحثه الدائم عن نفسه ، لأجل نفسه أولاً، وليس لأجل أي قضية يؤمن بها (ممكن ثانياً .. لكن أكيد مش أولاً ). وهذا في حد ذاته ليس بالعيب ، هذا فقط من طبيعة البشر .

اتفهم رأي مريم في انها تريد أن تكون منتمية إلى “مكان “.. مع اني اختلف معها في الرأي .. إذا نظرنا إلى أي نوعية أخرى من الانتماء ، لنأخذ مثلاً الانتماء لهدف محدد، فإنه من الممكن أن يتغير أو يفشل الانسان في تحقيقه لأسباب خارجة عن ارادته .. ومن الممكن أيضاً أن يفقد الانسان انتماؤه إلى هذا الهدف لتغير معتقدات هذا الشخص ، وهذا شيء طبيعي، فشخصية الانسان في حالة حركة وتغير دائم .. ولهذا اتفهم تمسك مريم بالانتماء إلى الوطن . فالوطن مكان لم تختاره لتولد فيه ، ومع انها من الممكن جداً أن أن تحصل على جنسية أخرى أو حتى تسقط جنسيتها فهذا حق مشروع لكل انسان ، ولكن في النهاية هناك حقيقة ثابتة وهي انها ولدت في هذا المكان ولهذا تشعر برابط خفي يربطها به ويشعرها بوجوب الانتماء له .. مع اني شخصياً أظن إنه ليس “واجب إجباري “بالمرة ، وانما هو فقط إنتماء لإشباع حاجة الانسان إلى مكان ثابت تقوى فيه جذوره ويشعر في كيان هذا الانتماء بالأمان .. حتى ولو لم يكن هذا الأمان موجود فعلياً ، ولكنه أمان معنوي ..فخذ مثلاً عندما أقابل شخص من جنسية أخرى، سوف أقول وبكل فخر واعتزاز ، اني مصرية وانتمي لمصر ، وهذا فقط حتى لا أشعر بأني نكرة “مقطوعة من شجرة” ، وليس لأنني حقاً “انتمي ” بكل ما تحمله هذه الكلمة من حقوق و واجبات ..

أعجبني رأي محمد الحميلي مع اني قد اختلف معه أيضاً .. فهو من أنصار مبدأ الانتماء للهدف. فكرة الانتماء للهدف في حد ذاتها فكرة تحمل بين جنباتها الكثير، فما هو هذا الهدف الذي سأنتمي إليه ؟ هل هو هدف شخصي ؟ هل هو هدف علمي لمساعدة البشرية ؟ هل هو هدف مثل توحيد العرب وغيرها من الأهداف الوطنية ؟ أم هل هو اني أجمع مليون جنيه ( ولا بلاش .. دول برضه ما يعملوش حاجة .. خليهم مليون يورو ) ؟ وإذا كنت سانتمي إلى هدف، كيف سأتقبل عدم تحقيقه ؟ وهل انتمائي لهدف كافي لإشباع تلك الحاجة الدفينة في نفس كل انسان للشعور بأنه جزء من شيء أكبر منه ؟ إنني أظن إنني يمكن أن أؤمن بهدف واسعى إلى تحقيقه ، ولكن انتمائي لابد أن يكون لكيان أكبر يندرج هذا الهدف تحته ..

دائماً ما كان رأي أية عبد السلام يمر بخاطري عند التفكير في هذا الموضوع. يتلخص هذا الرأي في جملتين أولهما سؤال : لماذا يجب أن احدد جماعة معينة للانتماء إليها ؟ وثانياً ، أرى الانتماء كمجموعة من الدوائر متحدة المركز ، كل دائرة تنتمي إلى جميع الدوائر أكبر منها ، وتنتمي إليها جميع الدوائر الأصغر منها .. أظن إنه من الأفضل أن تنظر إلى الرسم التوضيحي القادم حتى تتفهم ما أعنيه.

dawa2er el entema2

أعجبني في هذه الرؤية للانتماء انها تتسع لتحوي كل شيء، وفي نفس الوقت من الممكن أن تضيق لتحوي شيء واحد فقط ، لا توجد دائرة متعارضة مع الأخرى .. إختياري لدائرة انتمائي يتحدد من الكيان الأصغر فالأكبر ، من أصغر دائرة : نفسي مثلاً ،فأذا حدث موقف ما وأردت أن يكون لدي رد فعل معين ، سأتأكد أولاً إن رد الفاعل هذا لا يتعرض مع أي من دوائر الانتماء الأكبر من دائرة “نفسي ” ..ترتيب الدوائر يرجع إلي وإلى معتقداتي، وإلى أولوياتي في الحياة ..

دخل الجميع في بعض المناقشات مستغربين رأي أية في فكرة الانتماء للبشرية، على إعتبار يعني إنه مفيش حد غيرنا هنا … مفيش ناس من عطارد أو بلوتو عشان اختلف معاهم ، لكن أنا كنت أنظر للموقف من منطلق أخر. يعني، عندما حدثت حادثة قتل مصري والتمثيل بجثته في لبنان من بضع اسابيع ، اجتاحني شعور قوي بلأسف والاستنكار ، ليس لأنه مصري أولاً، وليس لأنه عربي ثانياً ، ولكن لأنه بشر وتلك الجريمة الشنعاء في حد ذاتها أيقظت في نفسي شعور بالإنتماء للانسانية .. كيف قام الناس بقتله بهذه الطريقة البشعة بدون ألشعور بأنهم يرتكبون جرم عظيم ضد بشر مثلهم ؟ حتى لو كان حقاً إرتكب جريمة هو الأخر، لا أظن أن القصاص بهذه الطريقة سوف يطفئ حسرتهم على من فقدوا .. انتمائي للانسانية يحتم علي أن استنكر وأنفر من هذه الجريمة مهماً كان السبب.

أما عبد العزيز فقد أعلن رأيه صريحاً في النهاية إنه ينتمي أولاً وأخيراً للدين .. وهذا ما يندرج تحته كل الانتمائات الاخرى .. اني اتفق مع هذا الرأي تماماً . فكل شخص حسب معتقداته الدينية يؤمن بأن ما يعتقده هو ما سوف يضعه على طريق الصواب في كل مناحي الحياه، ومن هذا المنطلق فإن فطرته ستجعله حتماً يتبع ما يراه الدين صواباً ولا ينتمي لشيء يتعارض مع معتقداته .

رأت ميار أن هناك مشكلة تواجه جيلنا والأجيال التي تلينا بسبب العولمة وإختلاط المفاهيم وإندثار اللغة ، وهذه المشكلة تتلخص في عدم توحد الهوية القومية التي يتبعها الجميع مما أدى إلى حالة من الفوضى و عدم فهم النفس .. وهذا سبب مباشر يجعل ما نحن فيه من تدهور عادي جداً بالمقارنة لم سوف يحدث للاجيال القادمة التي لا تعرف من تكون ولا من أين أتت .. المشكلة التي تتحدث عنها ميار موجودة فعلاً في رأيي ، ولكني أظن أن تعريف هوية وإنتماء محدد لكل شخص من الممكن أن يرجع للشخص نفسه .. طبعاً إذا كان هناك إتجاه قومي للإيمان بفكرة معينة (كما كانت قبل الثورة مثلاً ، الجميع ينتمي لمصر والجميع يضع أمامه فكرة جلاء الانجليز عن مصر هدفاً ساطعاً موحداً يعمل من أجله ، وهذا حدث كثيراً في مراحل زمنية مختلفة في مصر ) يكون من الأسهل أن يجد الانسان نفسه في هذه الهويه ويعمل من أجل هذا الهدف الذي يسعى له الجميع، ولكننا الأن في مرحلة لا يتوفر فيها هذا ، بل بالعكس، يسعى العالم فيها إلى محو وطمس هوية كل من هو ضعيف ، لذا فتقع المسؤولية على عاتق كل فرد من ليجد ما ينتمي إليه ويعمل من أجله ، فعدم وجود هدف لا يؤدي بالشخص إلا إلى الضياع .

قبل أن اختم هذا الجزء أحب أن اختم بمقولة معروفة لفت نظرنا إليها كمال عن إن “مفيش حاجة الواحد يقدر يقول انها الصح او الخطأ ، الصواب والخطأ ما هما إلى ما نجعله نحن كذلك “.. ( على فكرة، المقولة دي أصلاً إنجليزية ، وكتبها شكسبير في مسرحيته الشهيرة “عطيل “، وكان النص الاصلي :

There is nothing either good or bad, but thinking makes it – Othello

) ومن هذا المنطلق فإنه لا يوجد أي نوع من القانون الذي يمنع حميلي من أن ينتمي إلى هدفه ، أو أية أن تنتمي إلى الجنس البشري ، فكلها أراء .. ولا مانع أيضاً أن انتمي اليوم الكيان معين ثم أغير رائي فيما بعد .. كلنا بنتغير ،، و كلنا بنتعلم ..

طيب بما اني تحدثت كثيراً ، سأتركم الأن تفكرون في كل هذا وأعود اليكم قريباً بالجزء الثاني من الخلاصة .. اللي إنشاء الله سيكون الأخير في هذا الموضوع ..

أحب مرة ثانية اشكر جميع من حضر هذه المناقشة واعتذر لأني نسيت بعض ما قد قيل ومن الممكن أن يكون قد إختلط علي الأمر في عرض بعض الأفكار التي طرحت في هذه المناقشة ، فمن لديه تعليق، فاليعلق مشكوراً ..

إلى أن نلتقي .. سلام عليكم

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s