١٨ يوماً : اليومية الرابعة

الثلاثاء الماضي كان أخر يوم تدريس لي .. يمكن تكون أخر مرة سأقف أمام جمع من العيون الثاقبة التي تنظر بشغف في بعض الأحيان، في ملل ، أو في تعجب في بعض الأحيان الاخرى .. لا يمكن أن أنكر كيف سأفتقد هذا المنظر .. ولا يمكن أن أصدق أن رحلتي مع التدريس بكل ما فيها من نجاحات وإخفاقات قد انتهت (على الأقل في الفترة الحالية ) .. ولهذا السبب قررت تكريس هذه اليومية حتى أتذكر دائماً تلك الأيام المتعبة، الرائعة .. وتلك الأوقات الثمينة وتلك الدروس القيمة التي تعلمتها من هذه التجربة ..

أهدي هذه اليومية إلى ثلاث صديقات تأثرت بهم وأثروا في  و كانوا من زملاء الكفاح في هذه التجربة ، إيمان القشيري ، نوران حافظ ، وغادة دسوقي

حكايتي مع التدريس

لمن لا يعرفني جيداً ، أنا افقد أعصابي سريعاً ، و-“خلقي ضيق” ، أدى هذا بي على مدار المراحل المختلفة من حياتي إلى مواجهات ومشاكل عديدة ، وفي كل مرحلة كنت أحاول أن اتحلى بالصبر أكثر وأن اتخلى قليلاً عن طلب المثالية في كل شيء أولاً لأني لست مثالية، والدنيا ليست مثالية، و مش لازم أحبكها قوي علشان موقفش المراكب السايرة🙂

ما علينا، المهم إن فكرة التدريس بالنسبة لي و بالنسبة لشخصيتي في ذلك الوقت (وهذا من ثلاث سنوات ) كانت غير واردة على الاطلاق .. وعموماً لم يكن هناك مجال لممارستها على أي حال إلا في نطاق الشرح والمذاكرة مع الأصدقاء .. ولكن في يوم ارسلت إلينا الجامعة ايميل معلنة عن إطلاق الجامعة لما يعرف ب”الجونيور تيشنغ اسيستانت بروجرام ” فقط في القسم الذي ادرس به … تناقشت في الموضوع أنا واصدقائي ، وقررنا أن نخوض التجربة مبدئياً لأننا سنكون فقط مساعدين في معامل هندسة الكمبوتر و بهذا لن يتحدد مصير أحد بناءً على جودة شرحنا بما اننا فقط مساعدين (أو هكذا ظننا في الفترة الاولى🙂 ) .. و فكرنا في أسباب ثلاثة جعلتنا نمضي قدماً في خطتنا :

– أولاً تذكرنا الحديث الشريف “إذا مات إبن آدم ينقطع عمله إلا من ثلاث، صدقة جارية، أو ولد يدعو له، أو علم ينتفع به ” ، ومع إن العلم الذي كنا سنساهم قيد أنملة في تدريسه يعتبر بدائي جداً في هذا القسم لأننا كنا ندرس طلاب السنة الأولى من الجامعة التي تكون العلوم فيها في مرحلتها السهلة ..ولكن في النهاية ممكن ولو شخص واحد يتأثر بي ، أو أعلمه شيء، ليس فقط من المنطلق العلمي ، ولكن يمكن يستفيد في أي فرع أخر من فروع الحياه ..

– الموضوع كان جديد و مختلف .. وأي شيء جديد يحب المرء أن يجربه . كما إنه سيعود علينا بإستفادة ما علمياً أو حياتياً لا محالة .. فبما إنه كدة أو كدة مش حنضيع مستقبل حد ، يبقى ليه منجربش ؟-

الموضوع برضه مكنش ببلاش.. بس يعني محدش يفتكر إنه ممكن يجمع منه ثروة أو حاجة.. الموضوع رمزي :) بس شعور الواحد إنه يجني مهية بنفسه برضو حاجة حلوة

المهم ذهبنا، وكنا حوالي ٥ أصدقاء ، إلى المقابلة التي ستحدد إذا كنا سنقبل أم لا في هذه المغامرة الجديدة  و تم قبولنا جميعاً . كنا ندرس طلبة السمستر الأول، أو السمستر الثالث . وهذا حسب الكورس الذي تقدم إليه كل من على حسب حبه الشخصي للمادة . وكان هذا من أفضل الأشياء حيث الانسان لا يمكن يشرح شيء يكرهه.. و نزل الجدول و كل واحد خلاص عرف مكان “الاب” الذي سيشرح به ومواعيده ..

أول حصة

كانت يوم سبت الساعة إثنين ظهراً في المبنى الذي كان وقتها جديداً . كنت مرعوبة ، وخاصةً انني لم أكن أحب هذا المبنى لأنه لم يكن مجهز بالكامل في ذلك الوقت وقد كنت أخشى أن اذهب فلا أجد كل أجهزة الكمبيوتر تعمل أو شيء من هذا القبيل فلا أعلم كيف سأتصرف. كنت سأشرح لهذا ألفصل وحدي لأنهم من طلبة أول ترم ولا يستلزم هذا إثنين في “الاب” ، كما إنه يتم الشرح في المحاضرة ثم الشرح أكثر في ال”سكشن ” ويكون الاب فقط للتمرين على ما تم شرحه وفهمه ، ومع ذلك تمكني الرعب .. ودار في مخيلتي اسئلة مثل :

– ماذا سأفعل إذا كرهوني ؟

– ماذا سأفعل إذا فشلت في الشرح ؟

– ماذا سأفعل إذا لم يوجد ما يكفي من الأجهزة في المبنى الجديد ؟

– ماذا سأفعل إذا فقدت سيطرتي ؟

– هل سأفقد أعصابي بسرعة؟

– ماذا سأفعل إذا واجهتني مشكلة مع أحد منهم ؟

– ممكن “يستعيلوني ” بما اني فقط أكبر منهم بعامين ؟

هذه الأسئلة وغيرها الكثير ساهمت في رفع مستوى التوتر والرعب عندي إلى مستويات خطيرة وغير معهودة مما جعلني افقد تركيزي في جميع المواد الاخرى واركز على أن اكتب بالظبط ما أريد أن أفعله في هذا الاب اللعين ..

جلست جلسة لمدة ساعتين أفكر واكتب كيف سأقسم الوقت وماذا سأقول بالحرف وبالساعة والدقيقة .. وطبعاً دي حاجة مش واقعية على الاطلاق🙂

في المحاضرة التي تسبق الحصة المنتظرة جلست متوترة للغاية وخاصةً إن باقي الأصدقاء اللي وقعوا في نفس هذا الفخ كانت حصصهم في وسط الاسبوع فلم يكن عندي أي تخيل من تجاربهم عن كيف ستمر تلك الساعة والنصف المنتظرة ..

دخلت الفصل ربع ساعة بدري ، و واتتني حالة من الهلع عندما لم أجد سبورة للشرح عليها .. وبعد كثير من المفاوضات مع موظف الأمن في الدور محاولة أن اشرح له انني من سوف تدرس هذا الفصل وإنه لابد أن يساعدني في أن أحضر سبورة للشرح ، تم السيطرة على الموقف.

جاء الطلبة .. وكل واحد داخل يسألني هو ال-“تي إيه ” (إلي هو التيشنغ اسيستانت أو مساعد المدرس، إلي هو أنا ! ) جه ولا لسة ؟ و إذا كان هذا هو ألفصل الصحيح لأن المكان جديد وقد تاه الكثير منهم في محاولة البحث عن ألفصل .. طبعاً عندما أفكر في هذه القصة الأن ابتسم .. ولكني في وقتها كنت أشعر اني في موقف لا أحسد عليه .. هو أنا للدرجة دي شكلي ميجبش ولا إيه ؟ ما علينا ..

بعد خمس دقائق من بدء الفصل الذي بدأ أصلاً حوالي ربع ساعة متأخراً عن ميعاده الأصلي بسبب السبورة والتوهان ، اكتشفت إن الجدول الزمني والإلتزام بالكلام الحرفي الذي كنت قد كتبته سابقاً، من رابع المستحيلات ..

اختفت معظم مخاوفي بعد أن إنقضى نصف الوقت ، فقد لاحظت إن “الأطفال ” (ومن هنا ولد هذا المصطلح الذي اصبحنا جميعاً نستخدمه ) مرعوبين أكثر مني ! فهم ما زالوا في تلك المرحلة التي تلي المدرسة ، يشعرون بخوف فظيع من مستقبلهم في الجامعة الألمانية والتي حذرهم الجميع منها و من هندستها التي تقتل في النفس كل شيء وتسحب من دمك حتى الفناء ، و- … كفاية ..المهم انهم مرعوبين .. شعرت معهم بلألفة ، و تعرفت علي معظمهم عن قرب .. معظم من كانوا في هذا ألفصل ما زالوا من “أطفالي ” واصدقائي ،أشعر بالفخر كلما أرى احدهم ينجح في مرحلة ما أو أقابله صدفة في أحد ممرات الجامعة فيحكي لي عن أيام الاب القديمة وكيف إستمتع بها ثم يريني مشروع يعمل عليه ولا أخفي وقتها أني أشعر بالإمتنان والفخر انني قد أكون ولو “عشر” من السبب الذي جعله يحب ويتقن ما يفعله الأن ..

أهدي ذكرياتي في أول حصة إلى مريم أحمد و رامي .. مستنية يوم تخرجكم

Mariam and Ramy and Me🙂

مواقف وطرائف

طبعاً لا يمكن اكتب في هذا الموضوع وأتجاهل كم المواقف والطرائف التي تعرضت إليها أنا واصدقائي زملاء الكفاح و منها:

” ميس ميس ميس ” — أطفال السنه الاولى تشعر دائماً معهم انك طفل .. تقول له يا ابني من فضلك أنا لا “ميس” ولا “دكتور” ،  انده علي بإسمي !

“مقدرش مقلش لحضرتك حضرتك عشان من علمني حرفاً صرت له عبداً ” .. 🙂

واحد بقول له أنا مش “دكتور” الأن  يا رب في يوم أخد دكتوراه .. رد قال لي انشا الله لأ ..

هذا العام كنت ادرس فصلين .. واحد سنة أولى و واحد سنة تانية ..و بتوع سنة تانية دول كانو فصل من جبلاية القرود🙂 تعرف انهم دخلو الفصل من المبنى المقابل ..مشاغبين إلى درجة غير معقولة .. وفي نفس الوقت فصل كله من الأولاد .. مفيش ولا بنت .. بس كنت أحبهم جداً .. خاصةً إن المنهج كله كان عبارة عن مشروع لتنفيذ لعبة على الكمبيوتر وكانوا مقسمين إلى مجموعات يعملون مع بعض .. أدخل الفصل (وقد كنت مساعدة فقط في هذا ألفصل .. يعني كان في تي إيه معايا ) يراني محمد وأول شيء ينطق به ” مريم .. أنا عندي مشاكل كتيييييييييير ” فيرد عليه ياسر “لا أنا عوزها الأن .. مريم تعالي ” وتبدأ مناورات ومشاغبات عديدة أشعر فيها اني بتبهدل .. لكن في نهاية الترم إنشرح صدري عندما رأيت النتاج الأخير لمشاريعهم .. طمرت فيهم العشرة الحمد لله ..

مرة كنت ادرس لفصل من طلبت السنة الأولى ولكن في تجارة  ( مش هندسة) .. وهؤلاء ياخذون كورس واحد من علوم الكمبيوتر في بداية دراستهم الجامعية حتى يساعدهم بعض ذلك وهو كورس بدائي سهل .. ولكن تم تدبيسنا فيه أنا وبعض اصدقائي .. يا ويل يا سواد ليله إلي يدرس فصل تجارة .. لقد اظهروا أسوأ ما في .. اشعروني بالإحباط الفظيع .. ولكن في يوم لعب زميلي محمد عوضين لعبة على أحد تلك الفصول واقنعهم إنه رئيس القسم .. وصدقوه🙂 بصراحة هم يستاهلوا ..

قابلت رامي .. من أطفالي من أول فصل دراسته في حياتي مرة العام الماضي فقال لي إنه بدأ في التدريس لأطفال سنة أولى هو الأخر .. يفقد أعصابه ثم يمسكها كلما يتذكر انهم يسألون نفس الأسئلة “الغبية ” التي كان يسألها لي من ثلاث سنوات .. ابتسم كلما يحكي لي عن مشاكله مع أطفاله الأن .. وأشعر اني عجزت 🙂

أخر حصة

كانت أخر حصة لي الاسبوع الماضي و كان الموضوع مؤثر في جداً .. طلبت منهم جميعاً اننا نتصور صورة مع بعض .. وإقترح زميلي في التدريس في هذا ألفصل “أحمد بسيوني ” أن نستعمل كارت التهديد الرسمي الوحيد الذي نملكه ، “الأتندنس ” ، أو ورقة الحضور والغياب … اللي مش هيتسور مش هياخد أتندنس 🙂 .. سألني بعضهم إذا كنت “سأقلب تي ايه ”  العام القادم (كأن هذا التي إيه مخلوق من جنس أخر وعلم أخر ) ولكني أجبت بالنفي .. في الوقت الحالي على الأقل .. أشعر بالإمتنان الشديد إن الله قد من علي أن أكون جزء من هذه التجربة ووفقني فيها إلى حد كبير الحمد لله ..

أخص بالذكر صديقتي العزيزة إيمان القشيري التي كانت أول جونيور تي إيه وقت ما كان هذا المشروع مازال تحت التجربة وأوقعها حظي السعيد أن أكون في فصلها .. كنت من أكثر من حببوني في التدريس .. وحشتيني جداً و يا رب ترجعي بالسلامة ..

أخص بالذكر أيضاً أختي وصديقتي العزيزة نوران حافظ ، فلديها حب وعطاء لهذه المهنة رهيب .. سأفتقد جلسات التحضير بتاعتنا🙂

أخص بالذكر أختي وصديقتي العزيزة غادة دسوقي اللي طلع عينيها مع الأطفال بتوعها في لاب الكهرباء هذا السمستر .. كله بثوابه ..

وأخيراً وليس أخراً اشكر كل من درست لهم .. سامحوني إذا كنت قد قصرت في عملي معكم في بعض الأحيان وإذا كنت قد فقدت أعصابي عليكم في أحيان أخرى .. سأفتقدكم كثيراً خاصةً : مريم ، رامي ، محمد ،   محمود المهدي ، ياسر ، بشوي ، اسماعيل ، بسنت ، وغيرهم …

My last class ever🙂

دروس تعلمتها

تعلمت الصبر .. الصبررررر  .. الصبر برضه مفتاح الفرج ..

تعلمت إن لا يوجد شخص غبي وشخص ذكي .. فالغباء والذكاء بالتمرين ..

تعلمت السيطرة على مشاعري وأعصابي ..وتعلمت ألا أحكم على ناس بأشكالهم أو تصرفاتهم الخارجية ..

تعلمت لما أدخل فصل هندسة وأجد أكثر من ٤ بنات يبقى أنا في نعمة

تعلمت إن في مليون طريقة لشرح نفس المسأله ..و إن العيب في لو عندت و رفضت الشرح بطريقة أخرى ..

تعلمت إن كل واحد في داخله كنز دفين كثيراً يرفض أن يظهره .. ولكنه موجود ..

تعلمت اني لست دائماً على حق .. وتعلمت كيف استمع أكثر .. اتفهم أكثر ..

تعلمت إن مهنة التدريس من أصعب وأشق المهن .. ولكن في نهاية اليوم لا يوجد أسعد من مدرس سمع عن طالب له يذكره بالخير من وراء ظهره ..

تعلمت اننا كلنا “أطفال” مش هم بس ..لأن كل واحد فيهم علمني حاجة و ساب حاجة فيا ..

5 thoughts on “١٨ يوماً : اليومية الرابعة

  1. Eman says:

    Mariam, I love the post just love it ! You reminded me of the good old days and the feelings I used to have about this experience .. and my God do I miss it !
    It is a both and honor and pleasure to be part of your post and your life🙂 Thank You ♥

    Like

  2. kisho❤ It broke my heart that that was my last class.. there is so much i didnt mention tho.. thank YOU thank YOUUUUUU for being my first JTA ever..i don't know if u remember.. it was Noha Salem's (ah love her!!) C lab in the first semester ever..
    Missing u alot..and hope ur project is going ok..

    Like

    • Eman says:

      Yes I remember my last classes too and I was so emotional about it. I was so unhappy that it was over… though I had a feeling that I will be back to it one day!
      I remember now being your JTA .. Actually I only remembered when you said so … I remember the lab and I also remember game days and the office hours😉
      I miss you so much ya Mariam and really can’t wait to be back and catch up with you ..
      Love the blog … Keep it up😀

      Like

  3. ghada says:

    mariaaaam =) leyya el sharaf wallahi :))
    i love it and thank u dear, what a lovely dedication…
    w 3agabni lab el kahraba da geddan – 7asseit enni f ma3had laselki😛

    Like

  4. Nouran says:

    Mariam, thank you for this lovely lovely post….
    We will throughly miss these days and miss all our “atfal” =D
    It was an absolute honor to go through these experiences with you….

    Like

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s