خمس دقائق -30

كل عام وأنتم جميعاً بخير🙂 كم استمتعت بأن ألقاكم كل يوم على مدونتي المتواضعة .. وكم استمتعت بقراءة كتاب “شرح الأربعين النووية ” وأرجو أن يكون قد أفادكم وأمتعكم كما أفادني وأمتعني ..

طبعاً رمضان خلاص خلص .. ولكن هما 30 حديث وعدت أن أكتبهم في 30 ليلة ، فها هو أخر حديث عن مراحل الخلق وأهمية خواتيم الأعمال

الحديث رقم 4 من كتاب “شرح الأربعين النووية “

الحديث الثلاثون :

عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن مسعـود رضي الله عنه، قال: حدثنا رسول الله – وهو الصادق المصدوق:

{ إن أحـدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفه، ثم يكون علقةً مثل ذلك، ثم يكون مـضغـةً مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك، فينفخ فيه الروح، ويـؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أم سعيد؛ فوالله الـذي لا إلــه غـيره إن أحــدكم ليعـمل بعمل أهل الجنه حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعـمل بعـمل أهــل النار فـيـدخـلها. وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتي ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فــيسـبـق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها }

[رواه البخاري:3208، ومسلم:2643].

شرح الحديث :

أورد الإمام النووي – رحمه الله –  هذا الحديث لتعريف المسلم بحقيقة الإيمان بالقضاء والقدر ، فقد دار الحديث حول التقدير العمري للإنسان ، وما يشمله ذلك من ذكر مراحل خلقه وتصويره ، ليعمّق بذلك إدراكه وتصوّره لحقائق الموت والحياة ، والهداية والغواية ، وغيرها من الأمور الغيبية ، فيتولّد في قلبه الشعور بالخوف من سوء العاقبة ، والحذر من الاستهانة بالذنوب والمعاصي ، ومن الاغترار بصلاح العمل والاتكال عليها .

ولما كان سياق الحديث يذكر شيئا مما لا تُدركه حواس البشر ولا إمكاناتهم في ذلك الزمان – مما يتعلق بعلم الأجنة وأطوارها – ، اعتبر العلماء هذا الحديث عَلَما من أعلام نبوته ، ودليلاً على صدق رسالته ؛ لأن هذا الوصف التفصيلي المذكور هنا ما كان ليُعرف في ذلك الوقت ، وإنما عٌرف في الأزمنة المتأخرة بعد تطور العلوم وآلاتها ، وهذا الذي جعل ابن مسعود رضي الله عنه يصدّر حديثه بقوله : ( حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق ) فهو الذي ما أخبر بشيء على خلاف الواقع ، وما جُرّب عليه كذب قط ، ولا يُوحى إليه من ربّه إلا الحق .

وقد جاء ذكر مراحل تطوّر خلق الإنسان في بطن أمه على مراحل أربعة ، أولها : ما جاء في قوله صلى الله عليه وسلم : ( إن أحدكم يُجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفةً ) ، إنها مرحلة التقاء ماء الرجل بماء المرأة ، ويظل هذا الماء المهين على حاله ، قبل أن يتحوّل إلى طور آخر ، وهو طور العلقة ، ويٌقصد بها قطعة الدم الجامدة ، وسُمّيت بذلك لأنها تعلق في جدار الرحم .

ومع مرور الأيام تزداد تلك العلقة غلظة حتى تتم أربعيناً أخرى ، لتتحوّل إلى قطعة لحم صغيرة بقدر ما يُمضغ – ومن هنا جاء اسمها – ، وقد ذكر الله تعالى وصفها في قوله : { مضغة مخلقة وغير مخلقة } ( الحج : 5 ) ، وتظلّ تلك المضغة تتشكل تدريجياً ، حتى إذا أتمت مائة وعشرين يوما ، عندها تأتي المرحلة الرابعة : فيرسل الله سبحانه وتعالى الملك الموكّل بالأرحام ، فينفخ فيها الروح ، فعندها تدب فيها الحركة ، وتصبح كائناً حياً تحس به الأم .

ونجد هذه الصورة التفصيلية المذكورة في الحديث مواقفة لكتاب الله ، في مثل قوله تعالى: { ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ، ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ، ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين } ( المؤمنون : 12 – 14 ) ، وقوله تعالى : { يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا } ( الحج : 5 ) .

وإذا عدنا إلى سياق الحديث ، نجد أنه ذكر مراحل الخلق كان تمهيدا لبيان أهمية الثبات على الدين ، وتوضيحاً لحقيقة أن العبرة بالخواتيم ، فربما يسلك الإنسان أول أمره طريق الجادة ، ويسير حثيثا نحو الله ، ثم يسبق عليه الكتاب فيزيغ عن سواء الصراط فيهلك .

ولكن يجب أن نعلم أن ضلاله ذلك لم يكن أمرا طارئا ، بل هو حصيلة ذنوب خفيّة ، تراكمت على القلب ، حتى ظهر أثرها في آخر حياته ، فانصرف القلب عن الله تبارك وتعالى ، وخُتم له بتلك الخاتمة السيئة، ويؤكد ما سبق ، ما جاء في الرواية الأخرى لهذا الحديث : ( إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس ) ، وقديما قالوا : الخواتيم ميراث السوابق .

وفي المقابل قد يكون المرء بعيدا عن الله ، متبعا لخطوات الشيطان ، ثم تدركه عناية الله له في آخر حياته ، فيحيي الله قلبه ، وينشرح بالإيمان صدره ، ثم يُختم له بخاتمة السعادة .

وبالجملة فإن السائر إلى الله ينبغي أن يستصحب معه إيمانه بالقضاء والقدر ، ويكون وسطا بين الخوف والرجاء ، حتى يوافيه الأجل.

وأخيراً ، تعليقي :

لقد ولى رمضان وفكت الشياطين من سلاسلها وقد اطلقت لنفسها العنان لتعبث بنا مرة أخرى .. فشد على نفسك في الأيام القادمة .. تذكر انك كنت نطفة ثم علقة ثم مضغة .. لا تجعل متاع العيد والحياه بعد رمضان تأخذك بعيداً ، ولا تجعل الشيطان ينتصر عليك ..

لن أقول لك حاول أن تتعبان كما كنت في رمضان فهذا شبه مستحيل ولكن ، لا تخرج من رمضان صفر اليدين خالي الوفاض ، اذكر عملاً صالحاً  أو عبادة كنت تفعلها في رمضان وادعو الله أن يثبتك عليها .. وإن قلت .. ف-“أحب الأعمال أدومها وإن قل ” ولا تكن ممن ينطبق عليه هذه الأية الكريمة :

“وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا “

اللهم إجعل خير اعمالنا خواتيمها وثبتنا بعد رمضان .. كل عام وأنتم بخير🙂

ملحوظة :

في النهاية أحب أن أشكركم جميعاً على تشجيعكم وقراءتكم ونقدكم البناء ،، وبما اني ذكرت الحديث الذي يقول أن أحب الأعمال أدومها وإن قل ، فأريد أن أعلن عن :

– أولاً : سأقوم بكتابة حلقة من “خمس دقائق ” كل إسبوع في يوم الجمعة إن شاء الله ، فأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم عديدة وكلامه وخطاه هي ما نريد أن نتبعه ونفهمه حق الفهم .. وسأتطرق في الأحاديث القادمة لكتم وأحاديث أخرى غير التي ذكرت في كتاب “شرح الأربعين النووية ” ، وكلها ستكون أحاديث تلمس حياتنا ومشاكلنا الأن .. والله المستعان ..فانتظرونا ..

– ثانياً : سأقوم بكتابة تقييم “خمس دقائق” في شهر رمضان 2010 ، وأرجو من الجميع مساعدتي بملء هذا التقييم بالنقد والأراء وما إستفدتم منه وما يمكن أن يكون أفضل في المرات القادمة ، وذلك حتى يكون هذا العمل في تطور وإحسان دائماً .. سيكون التقييم أيضاً يحل في “خمس دقائق” خلال الاسبوع القادم حتى لا أضيع وقت أحد فأرجو من الجميع المشاركة ..

-ثالثاً : أشكركم حقاً فبدونكم لم أكن سأستمر ، وادعو الله لكم جميعاً بأن يعيد علينا رمضان اعواماً مديدة ولا يحرمنا أجره .. كل سنة ونتم طيبين !

سلام عليكم

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s