عن سعد المنكوش, و اقرانه

سعد و سعاد

عندما أكون على وشك إتخاذ قرار مهم في حياتي ، أو على وشك الابحار في رحلة غير محسومة النهاية وغير معروفة المخاطر ، يتملكني إحساس بالضياع وإحساس بالتوتر وعدم الانسجام مع العالم من حولي .. فأهرب من هذا كله إلى عالمي الخاص ..عالم دماغي ..

وفي عالم دماغي في هذه الليلة (الحارة جداً مع اننا في أخر سبتمبر .. هو الخريف تم إلغاؤه ؟؟ هل حذفه السيد وزير التعليم الجديد من المنهج كما حذف أثيوبيا ؟ .. ولكن هذه نقرة أخرى .. ما علينا ) تذكرت سعد المنكوش وسعاد أم ايدين مش نضيفة وشخصيات أخرى.. على فكرة أنا لا أعني أي إساءة لأي شخص إسمه سعد، أو سعاد .. فهذه شخصيات خيالية من طفولتي .. ابتكرهم أبي وإبتكر معهم عالمهم وقصصهم التعلميية المفيدة والمسلية خاصةً قبل النوم🙂

بما اني وحيدة ،فقد تربيت على أن انزلق إلى عالمي الخاص ولا أجد غضاضة في أن العب وحدي، أؤلف قصص خيالية بها إخوة واخوت وحتى مخلوقات من عوالم أخرى .. ولكن كانت لحواديت قبل النوم أهمية خاصة عندي، فهذا هو الوقت الذي استفرد فيه بأبي وأزن عليه حتى يطول من حكاياته ويزيد ما فيها من أحداث .. فما أجمل الحياه في الخيال ..

كان سعد المكوش وسعاد أهم شخصيتان في جميع القصص .. فسعد، لسبب ما، كان يرفض أن “يسرح شعره” وهو ذاهب إلى مدرسته ، حيث يحكي لي أبي عن مغامرته وشقاوته هناك .. أما سعاد ، فكانت أهمية النظافة عندها مضمحلة تقريباً .. فهي تارة “سعاد أم ايدين مش نضيفة ” وتارة أخرى “سعاد أم سنان مش نضيفة ” ، وهكذا . أجهل تماماً السبب الذي يجعلني أذكر هاتين الشخصيتين دوناً عن جميع الشخصيات الخيالية الاخرى التي تعبر عن “الخير” و-“الأطفال الكويسين ” ، فمن الواضح أن سعد وسعاد من الأمثلة السيئة التي تمثل الشر في قصص الأطفال وغالباً ما تأخذ علقة أو تهزم في النهاية .. ومع ذلك ، لا أذكر بتاتاً أسماء الشخصيات الجيدة !

سرحت مع قصص سعد وسعاد .. تذكرت كيف كان سعد يذهب إلى المدرسة سيراً ، ماراً بميدان الماظة ، حيث كان أيامها ميدان شبه مهجور … أما الأن فقد هبط علينا من السماء خير اللهم اجعله خير، وحش من وحوش إستهلاك بطون وجيوب المصريين ، تيفولي ! … ولكن أيام زمان كانت أم سعد تخاف عليه من عبور الشارع من عند ميدان الماظة ..بس بما إنه شقي ، ما كنش بيسمع الكلام …على فكرة، القصص فعلاً كانت مبنية احداثها على أماكن حول منزلنا .. فأبي كان يؤلف وهو يحكي في نفس الوقت وكانت جميع الأحداث تحدث على مقربة من بيتنا أو في الأماكن التي نزورها دائماً حتى يسهل تخيلها ..

أما سعاد فكانت لا تغسل يديها قبل الأكل ، فتمرض .. أو لا تغسل أسنانها بعده ، فتسوس .. وكان سعد وسعاد يلعبون مع اصدقائهم ويذاكرون ويقرأون الكتب ، ويزورون اقاربهم ، توبخهم أمهم إذا لم يكملا طعامهما أو علا صوتهما .. وكانت القصة غالباً ما تنتهي بأبي يحاول أن يتملص من وضع نهاية منطقية لها لأنه يكون قد استهلك وتعب من كتر الزن ولأنه غالباً ما كان يحكي لي القصة بعد عودته من العمل متعباً ، فأجده مرة واحدة سكت عن الكلام ، فأهزه قائلة : “و بعديين !! متنامش بأه ! ” فيفاجأ هو و يحاول أن يقنعني بأن القصة انتهت ويغني لي ماما زامنها جاية  (التي كنت قد كبرت عليها جداً وكرهتها .. وكان يغني تلك الاغنية بطريقة معينة حتى يغيظني ويضحك قائماً بسرعة حتى لا ألحق به فاكسل وأنام .. ) … ياه .. كم اتمنى أن أغوص في قصص سعد وسعاد الأن .. الم يكن هذا عالم أبسط وأفضل ؟

أما عالم قصص قبل النوم الأن فقد اندثر مع الأسف .. لا يجد الأهل وقتاً للابتكار ويستسهلون وضع الطفل أمام التفزيون لينام عليه .. وأصبح “بارني ” (ولمن لا يعرف بارني من أبناء جيلي الذي بلغ من الكبر عتياً ولم يمهله القدر في زمانه العتيق التعرف على هذه الشخصية المهمة ، بارني ديناصور .. أظن يعني .. ولونه أرجواني فاقع ، يغني أغاني مستفزة ) من أعز أصدقاء إبنة عمي ذات الخمس اعوام .. هي أيضاً طفلة وحيدة ، وبما انها أصغر واحدة في العائلة فقد تم تدليعها إلى نقطة البوظان .. دخلت حضانة ألمانية، ومدرسة ألمانية ، وتتحدث الألمانية بلكنة رائعة والانجليزية أيضاً .. ولكنها نسيت رقم خمسة باللغة العربية عندما سألتها تمت كام في عيد ميلادها السابق، كما رفضت رفضاً باتاً أن استعير منها لعبة صغيرة قديمة ..لم تتعلم قيمة المشاركة، ولن تشب على ثقافة بلادنا ..  نفسي أخذها أحكي لها بعض من قصص سعد وسعاد لعل وعسى ..

ممكن تتركوني قليلاً في عالم دماغي ؟ فأنا لا أريد التفكير في الواقع .. والحاضر ولا الماضي .. أريد بعضاً من الوقت المستقطع في عالم بسيط .. لا يستلزم الكثير من التفكير ..

شكراً أبي ، لأنك بطلي الأول والأخير .. شكراً على كل تلك الليالي التي أتعبتك وسهرتك فيها ..شكراً لأنك لم تستسهل .. شكراً لأنك أغرقتني في انهار حبك و عطاءك فكبرت اشركك في كل خطوة في حياتي ..شكراً لأن أعطيتني ملاذاً من هذا العالم .. ولو لوهلة من الوقت ..

2 thoughts on “عن سعد المنكوش, و اقرانه

  1. Amira Ahmed says:

    I agree we have lost a lot of our ‘grandma’ traditions for all the multimedia invasion (my 2 yrs old colors & listens to music from the iPad!) yet you will be surprised when the time comes from the number of silly stories AND even wacky rhymes you invent for your little ones. I tell stories of Shams El Makan – bad sleeping habits- and 2amar El Zaman= untidy hair- among others, and it does amuse her. So feed your imagination, you will soon need it.

    Actually I stumbled over another forgotten imagination treasure on uTube, the wealth of kids songs we used to sing & dance years ago. Next time your feeling blue, watch Nelly’s “Operat el Le3ba” or Abdel Men3em Madbolly’s “Waled Essmo El Shater 3amr” and ENJOY🙂

    Like

  2. doaa hamoda says:

    لقد تابعتك يا مريم منذ ان بداتى فى كتابة مدوناتك وانا من اشد المعجبين بهذه المدونات واحرص على قراءتها اولا باول وقد تاثرت بالعديد منها ولكن لم يكن كتاثرى بتلك المدونة الرائعة التى مست قلبى ….. وكم كنت اريد ان اعلق على مدوناتك السابقة ولكنى لم اجد الكلام المناسب لها وربما اكون قد وجدته هذه المرة لان محور حديثك هذه المرة عن شخص اعرفه وتاثرت به .. بالطبع لم يكن كتاثرك به لانه مديرى فى العمل فقط ولكنه والدك فى البيت …. فوالدك علمنى الكثير و الكثير من امور هذه الدنيا التى نعيشها والتى لم اكن اعرفها وكم ادين له بالفضل فى امور عديدة فى حياتى كلها فقد زرع فى طريقى بذور زهر جميل ومنحنى العزم تلو العزم فى تخطى صعاب عديدة واجهتنى …. مثلما شكرته يا مريم فدعينى ايضا ان احاول ان امزج الكلمات سويا لتكون كلمات شكر واعزاز و تقدير لاب ومعلم فاضل سيظل فى ذاكرتى دوما وابدا

    Like

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s